كلمة أ.د. طارق عبد الباري مؤسس المركز الثقافي المصري-الألماني ÄDK
بمناسبة صدور قاموس إلياس ألماني-عربي
يتمتع هذا القاموس بالعديد من المزايا على رأسها أنه قاموس معاصر وتعتبر كلمة معاصر كلمة مفتاحية بالنسبة لكل مستخدمي أو مترجمي الفواميس، إذ أنه لايخفى على أحد أننا، وأعني هنا العالم العربي والعالم الغربي، نعيش في عالمين مختلفين عن بعضهما كل الاحتلاف تقريباًـ على الرغم من كل مزايا وإنجازات العولمة، لا سيما على المستوى الثقافي واللغوي. وقد لا يكون هناك ما هو أمتع بالنسبة للمترجم الذي يعي دوره كوسيط حضاري وثقافي من أن يبدع في لغته الأم مفردات جديدة وتعبيرات و أمثلة ومقولات مقابلة لما في اللغة الأجنبية التي يترجم عنها، هذا بغض النظر عن المصطلحات العلمية والتكنولوجية الحديثة، ولكن كل هذه المتعة تتحول إلى تحد حقيقي تحت ضغط العمل المرهق بالقاموس وتحت ضغط الوقت في آن واحد. هذا علاوة على أن كل ماهو متوافر بالفعل في كثير من القواميس الأخرى يجب أن يتم التعامل معه بشئ من الحذر بقدر عمر القاموس، فكلما كان القاموس أقدم وجب الحذر أكثر وأكثر. ويكفي أن نضرب مثالاً واحداً لمشقة كلمات ومصطلحات حرف الـ ""C، فقط لأن أغلب المصطلحات الواردة به متعلقة بتكنولوجيا الكمبيوتر التي بسبب سرعة تقدمها ومستحدثاتها في البلاد التي تبتكرها، ولأسباب أخرى متعلقة بخذلان الناطقين بالعربية للغتهم، تصبح الصعوبة في ترجمتها ومراجعتها من نوع خاص للغاية.
كما يضم القاموس العديد من المزايا الأخرى المتعلقة بشكل خاص بمراعاة اللغة في مستواها الفصيح والعام المستخدم في الحياة اليومية والتمايز الكبير في التفرقة بين معاني الكلمات المختلفة، ولذلك فهو مناسب تماماً بسبب هذا التنوع لفئات عريضة من مستخدمي القواميس من الطلاب والباحثين والذين تتطلب أعمالهم ومهنهم التعامل مع اللغة الألمانية.
لقد استمر العمل في هذا القاموس قرابة الأعوام الثمانية، تخللتها بعض فترات التوقف، وهي مدة طويلة والعمل في القواميس عموماً ليس بالشئ الممتع تماماً تحت ضغط الوقت وعوامل ومتطلبات الحياة الأخرى، وكم سألت نفسي في أحيان كثيرة وأنا تحت هذا الضغط العصبي العنيف، ألم يكن من الأفضل لي أن أكتب عشرين رواية وفصة، طالما تمنيت أن أكتبها، أو أترجم من درر الأدب الألماني الحديث عشرة كتاب ما بين النثر والشعر أو ببساطة أقضي وقتاً أكثر في رحلات طويلة وإجازات ممتعة مع أسرتي؟ أسئلة كثيرة كانت تعن لي في أوقات العمل الشاق والتحدي الكبير مع صعوبات اللغة والثقافة، ولكن ما إن سلمت القاموس للناشر حتى تلاشت هذه الأسئلة تماماً وكأنها لم تكن، وانتابني إحساس قوى بأنني صنعت شيئاً قيماً واليوم أشعر بأنني فعلاً فخور بما فعلت.
تخطر على بالي الآن كل تطورات المشروع من لحظة الصفر حتى الآن: منذ أن خاطبتني الزميلة العزيزة الدكتورة نجلاء الدندوش بشأن التعاون في تكوين فريق عمل للقاموس وفكرت في زميلتي الدكتورة علا عادل وعرضت عليها التعاون، وأتذكر الآن كذلك الكثيرين من الزملاء الذين اجتمعت بهم من أجل إشراكهم في العمل بالقاموس والحوارات الهامة التي أجريناها في مكتبة معهد جوته وفي منزلي لساعات طويلة وقد استطعت أن أكسب بعضهم وانضموا للعمل معنا في البداية ولكنهم لم يظلوا لمدة طويلة بعد بدء العمل واستقر الأمر في النهاية على اثنين فقط كنت أحدهما، ولهذا كان إحساسي بهذا القاموس منذ البداية إحساساً أبوياً منذ لحظة تكوين الفريق وحتى لحظة الميلاد.
إنني أريد أن أخص بالشكر الجزيل الزميلة الأستاذة سمر إبراهيم، مراجعة اللغة العربية، من دار إلياس على كل الجهد الهائل الذي بذلته في مراجعة وتنقيح هذا القاموس وأشكرها علي علمها الغزير في دقائق اللغة العربية وعلى دقتها البالغة في العمل وحسن التعاون والصبر والجلد وحسن التنسيق بين أعضاء الفريق وقبل كل هذا وذاك على أنني كنت دائماً مطمئناً على جهدي وعملي عندما يستقر بين يديها الأمينتين.
وأشكر دار إلياس على هذا الإخراج البديع للقاموس وعلى المتابعة والتنظيم المتناهي أثناء العمل والتحديث الدائم لكل ما هو جديد من مصطلحات وكلمات طوال مدة العمل من مصادرها الألمانية ليخرج القاموس اليوم معاصراً لأحدث طبعات القواميس المماثلة له الآن في الدول الناطقة باللغة الألمانية. كما أشكرهم على أنهم استطاعوا أن يكسبوا اسماً هاماً للاشتراك معنا في مراجعة القاموس وهو أ.د. نبيل قاسم.
أشكر كذلك صديقي العزيز "معهد جوته" الذي طالما كان شريكاً رائعاً لي في كل مشاريعي الثقافية واللغوية منذ أكثر من خمس وعشرين عاماً اليوم، أشكره لأنه كان لنا في هذا المشروع كذلك مكاناً للقاء والحوار وهو اليوم مضيفنا الكريم في محفلنا هذا.
وأخيراً وليس آخراً أشكر زوجتي العزيزة السيدة منال حتحوت التي كانت لي عبر هذه السنوات الطوال خير سند وعون وتكفلت بإدخال الآف المصطلحات والتعبيرات التي كنت أترجمها إلى العربية على الكمبيوتر وطالما أثرت فكري وترجمتي بنقاشاتها الدقيقة للمعاني وأسئلتها الفارقة معتمدة في ذلك على حسها اللغوي الدقيق، ونحن آنذاك في ذلك البلد البعيد الذي يطير له المسافرون ثلاثين ساعة حتى يصلوا له، وليس فيه من يهتم باللغة العربية على هذا النحو سواى أنا وهي: نيويلاندا!! عزيزتي منال: اتضح الآن أن الأمر كان فعلاً يستحق. أشكرك شكراً جزيلاً.
وأشكركم سيداتي وسادتي على حسن انصاتكم!
د. طارق عبد الباري
| < السابق |
|---|













